ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

16

الوشى المرقوم في حل المنظوم

وقد أدرك ابن الأثير هذه الأهمية ، بما له من يد طولى في الترسل والكتابة ؛ ومن هنا فقد اختص المكتبة العربية بكتابين من مؤلفاته القيمة التي تتناول هذه القضية ، يأتي في مقدمتها كتابه الذي سبّب نوعا من أنواع المعارك الأدبية وهو « المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر » « 1 » ، و « الوشى المرقوم في حل المنظوم » الذي يؤكد ابن خلكان أنه كتاب « على وجازته عظيم الإفادة » في تعلم الكتابة من خلال نماذج من بعض الرسائل ، وقطع أدبية أخرى ؛ اختارها ضياء الدين من مكاتباته عن الملوك ، أو إلى الملوك . وفي غير موضع من كتابه « الوشى المرقوم » يؤكد ابن الأثير أنه « كتاب تعليم وتمثيل ، لا كتاب تكثير وتطويل . وقد سبقه السابقون إلى تعليم من خلفهم الكتابة ، والتنبيه إلى أدواتها ، مبينين مدى الخزي الذي يقع فيه الكاتب ؛ إذا هو قصّر في معرفة أمر من الأمور متعلق بمهنة الكتابة ، ومنكرا كونهم كتّابا من الأصل . فما بالنا وقد استشرى هذا الأمر في الكتابة عموما والكتابة الصحفية على وجه الخصوص « فإني رأيت كثيرا من كتاب أهل زماننا كسائر أهله قد استطابوا الدعة ، واستوطئوا مركب العجز ، وأعفوا أنفسهم من كدّ النظر ، وقلوبهم من تعب التفكر حين نالوا الدرك بغير سبب ، وبلغوا البغية بغير آلة ولعمري إن كان ذاك فأين همة النفس ! وأين الأنفة من مجانسة البهائم ! وأي موقف أخزى لصاحبه من موقف رجل من الكتاب اصطفاه بعض الخلفاء لنفسه ، وارتضاه فقرأ عليه يوما كتابا وفي الكتاب : ومطرنا مطرا كثر عنه الكلأ ، فقال له الخليفة ممتحنا له : وما الكلأ ؟ فتردد في الجواب وتعثر لسانه ثم قال لا أدرى فقال : سل عنه » « 2 » . المحزن في الأمر أن نجد « أكثر أهل زماننا هذا عن سبيل الأدب ناكبين ومن اسمه متطيرين ؛ ولأهله كارهين أما الناشئ منهم فراغب عن التعليم ، والشادى تارك للازدياد والمتأدب في عنفوان الشباب ناس أو متناس ليدخل في جملة

--> ( 1 ) المثل السائر 1 / 91 وما بعدها . ( 2 ) أدب الكاتب / 6 و 7 .